الشيخ محمد هادي معرفة
377
تلخيص التمهيد
قال : وإن شئت فتأمّل كلام ربّ العزّة : « وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ . إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما ، فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ . قالُوا : ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا ، وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ . قالُوا : رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ . . . » « 1 » . حيث قال - أوّلًا - : « إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ » . وقال - ثانياً - : « إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ » . فقد زاد التوكيد حسب زيادة الإنكار والجموح . ويسمّى هذا النوع من الخبر إنكاريّاً . وإخراج الكلام في هذه الأحوال على الوجوه المذكورة ، يسمّى إخراج الكلام وفق مقتضى ظاهر الحال ، ويسمّى في علم البيان بالتصريح . « 2 » ومن ظريف فنون البلاغة - هنا - أنّهم قد يقيمون من لا يكون سائلًا مقام من يسأل ، فيصوغون الكلام معه صياغة السائل الملحّ ، إذا كانوا قد قدّموا إليه ما يلوح مثله للنفس اليقظى ، فيتركها مستشرفة له استشراف الطالب المتحيّر ، يتميّل بين إقدام للتلويح وإحجام ، لعدم التصريح ، فيخرجون الجملة إليه مصدّرةً ب « إنّ » ويرون سلوك هذا الأسلوب في أمثال هذه المقامات من كمال البلاغة وأظرفها ! واستشهد السكّاكي لذلك بما سلكه بشّار « 3 » في رائيّته : بَكِّرا صاحِبَيَّ قبل الهجير * إنّ ذاك النجاح في التبكير حين استهواه التشبّه بأئمّة صناعة البلاغة ، المهتدين بفطرتهم إلى تطبيق مفاصلها ، وهم الأعراب الخُلّص . قال السكّاكي : وهذا من أدقّ التعابير وأرقّها في التصوير لدى ذهنيّة المخاطب
--> ( 1 ) . يس 36 : 13 - 16 . ( 2 ) . مفتاح العلوم ، 80 - / 82 . ( 3 ) . هو أبو معاذ بشّار بن بُرد العقيلي - ولاءً - كان شاعراً مُجيداً . بصريّ قدم بغداد وكان يمدح المهديّ بن منصور ، وأمر بقتله سنة 168 لما قد بلغه من هجاه وقد بلغ من العمر فوق التسعين .